محمد رأفت سعيد
329
تاريخ نزول القرآن الكريم
سبحانه في قوله الكريم : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) ولقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن ابن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . الآية وهذه الرواية لا تستقيم ولا تصح ، لأن السورة الكريمة كما ذكرنا من قبل مكية كلها ، وقال ابن كثير معلقا على هذه الرواية : وهو خطأ ، فإن السورة مكية بكمالها لم ينزل شئ منها بعد الهجرة ، ولم يصح سند ذلك « 1 » . وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت في علىّ بن أبي طالب إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) قال : محبة في قلوب المؤمنين . وأخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لعلىّ : « قل اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي عندك ودّا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة » فأنزل الله الآية في علي وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس : « ودا » قال : محبة في الناس في الدنيا . وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن علىّ قال : سألت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن قوله : سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) ما هو ؟ قال : « المحبة الصادقة في صدور المؤمنين » وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبّه فينادى في السماء ، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني قد أبغضت فلانا فينادى في أهل السماء ، ثم ينزل له البغضاء في الأرض » . وتجمل الآيتان الأخيرتان من سورة مريم ما قصّه الله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم في كتابه الكريم من أنباء السابقين ممن اصطفاهم الله من خلقه ، وكيف كان صلاحهم ، وممن خالف وكفر وصار ذلك ميسّرا لمن أراده يبشّر به المتقون وينذر به المبطلون ، كما تقدّم عبرة التاريخ التي يجدونها والتي ينبغي أن يفيدوا منها فقد أهلك هؤلاء من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من المعاندين المكذبين لما استمروا في طغيانهم فلا صوت لهم ولا حركة ، قال تعالى : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 ) .
--> ( 1 ) فتح القدير 3 / 345 .